أهمية التربية على حقوق الإنسان في الممارسة الديمقراطية

عرفت حقوق الإنسان عبر التاريخ مـداً و جـزراً حسب نوعية النظام السائد في كل دولة، فمع طغيان الأنظمة يتم حرمان الإفراد و الجماعات والشعوب من حقوقها، ويصبح هامش الديمقراطية متقلصاً حيناً ومنعدماً أحيانا أخرى، وحتى في أعرق الديمقراطيات التي عرفها التاريخ في عصر اليونان تم فيها انتهاك الحقوق بشكل سافر، فالحكم بالإعدام وتنفيذه في حق المفكر والفيلسوف " سقـراط " بسبب رأيه في المعتقد اليوناني خير دليل على أن طغيان الدولة وانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، الشيء الذي أدي إلى حرمان الأفراد والجماعات والشعوب من الحريات الفردية والعامة، وتبلغ خطورة هذه الانتهاكات مداها عندما يتم انتهاك أقدس الحقوق وهو الحق في الحياة الذي بدونه لا يمكن الحديث عن باقي الحقوق.
وقد يصل طغيان الدولة مـداه حينما يتم حرمان الشعوب من حقوقها المشروعة كما اطلعنا التاريخ في ظل الأنظمة المطلقة في أوربا خلال القرون الوسطى، حيث غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة الاستغلال والاستعباد ونشأة الصراع بين الدول والشعوب وإراقة الدماء، لكن انتصار مفاهيم البورجوازية على مصالح الإقطاع بعد الثورة البورجوازية التي أفرزت أول إعلان عالمي لحقوق الإنسان ـ الحقوق السياسية والمدنية ـ أحدث انفراجا في الصراع القائم على السلطة، والذي لم يدم طويلا مع سيادة الدولة الديكتاتورية في ظل حكم نابليون الدموي مع سيادة النظام الرأسمالي الجشع الذي انتهكت معه حقوق الشعوب بالدول الفقيرة، وتم ضرب مبدأ تقريري مصير الشعوب واستغلال الثروات الطبيعية وبالتالي استغلال الطبقة العاملة وخاصة المرأة العاملة التي هربت من طغيان الإقطاع بالبوادي ليقتنصها جشع الرأسمال بالمدن.
ومع تنامي النظام الرأسمالي تنامت الفوارق الطبقية والاجتماعية حيث يتم استغلال القوى المنتجة ذات الصفة الجماهيرية بالمدن الصناعية والاقطاعيات بالبوادي، وتولد الصراع من جديد بين العمل والرأسمال تمت معه إراقة الدماء في أكثر من محطة مع بروز المفاهيم الاشتراكية ـ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية ـ التي عرفت انتشاراً كبيراً مع انتصار الثورة البولشيفية، إلا أن الحربين الامبرياليتين العالميتين أحدثت خسارة كبيرة في صفوف الطبقة العاملة التي دفعت الثمن غاليا نتيجة طغيان الدولة في ظل النظام الرأسمالي كنظام تناحري، والذي نتج عنه عشرات الملايين من الضحايا و خاصة في صفوف الفئات الهشة من المجتمع، ولم يتم الوئام بين الدول و الشعوب إلا بعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وظهور منظومتين دوليتين الاشتراكية بالشرق والرأسمالية بالغرب، والذي لم يستمر طويل مع دخول المنظومتين في صراع سياسي وايديولوجي وعسكري.
ومع تنامي الصراع لم تستطع المنظومة الشرقية الصمود نتيجة أسباب ذاتية و موضوعية لا يفسح المجال لإبرازها في هذه المحاولة، ومع سقوط التجارب الاشتراكية بالاتحاد السوفياتي ودول شرق أوربا وانتصار الرأسمالية في صيغتها المعولمة، برزت ضرورة حماية حقوق الشعوب ـ الحق في التنمية والبيئة السليمة والتراث المشترك والسلم ـ باعتبارها حقوقا جديدة ظهرت أولويتها مع طغيان الأنظمة الرأسمالية، انطلاقاً من حروبها اللصوصية بعد نهاية الحرب الإمبريالية الثانية وانتهاء بسقوط المنتظم الشرقي، لتبدأ من جديد حروب لصوصية جديدة باعتبارها صفة تلازم النظام الرأسمالي باعتباره نظاماً تناحرياً.
وهكذا برزت أهمية النضال الأممي الذي يجب أن يعتمد على نشر ثقافة حقوق الإنسان والتربية عليها والممارسة الديمقراطية، فإلى جانب فضح الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وحمايتها والدفاع عنها، يجب تجسيد هذه الحقوق في الأعمال والممارسات اليومية في ظل مبدأ جماهيرية حقوق الإنسان والديمقراطية.
** معايير وآليات التربية على حقوق الإنسان
في ظل تنامي طغيان الدول الرأسمالية أصبح الاهتمام بالتربية على حقوق الإنسان من مشاغل الهيئات الدولية الحقوقي وخاصة منه اليونسكو، هذه المنظمة الدولية التي أعطت هذا المجال أهمية قصوى منذ مؤتمرها العام سنة 1974 ، وأخذت تتبلور عشرية الأمم المتحدة منذ أعمال المؤتمر العالمي للتربية على حقوق الإنسان والديمقراطية بمنتريال بكندا في مارس 1993 ، وفي توصيات المؤتمر العالمي الثاني لحقوق الإنسان بفيينا في يونيو 1993 .
وكانت المساهمة العربية في هذا المجال جد هامة وذلك بتنظيم عدة ندوات من طرف المعهد العربي لحقوق الإنسان، وكان أهمها ندوة عمداء كليات الحقوق العربية سنة 1990 ، وندوة التربية على حقوق الإنسان والديمقراطية في الوطن العربي في يناير 1993 التي انتهت بإصدار الخطة العربية للتربية على حقوق الإنسان، حيث خلص المجتمعون إلى أن الكتاب المدرسي يعتبر مجالاً أساسياً لتنفيذ مقررات الخطة وخلصت الندوة إلى تسجيل عدة ملاحظات:
ـ إعتبار المدرسة الإطار الأساسي للخطة العربية للتربية على حقوق الإنسان إلى جانب الأسرة والمجتمع.
ـ إن العمل على نشر ثقافة حقوق الإنسان في المجتمعات العربية لا يمكن أن يتم إلا إذا استند إلى المعرفة الصحيحة بواقع حقوق الإنسان بهذه المجتمعات.
إلى جانب هاتين الملاحظتين تم تسجيل عدة ملاحظات حول السياسة التعليمية بالدول العربية:
ـ الكتب المدرسية تصور واقع حقوق الإنسان بالدول العربية تصويراً غير سليم.
ـ البرامج التعليمية والمناهج والمواد يعتريها ضعف واضح في إدماج التربية على حقوق الإنسان.
ـ عدم تحسيس أسرة التعليم ومؤلفي الكتب بهذه التربية.
ـ تغييب تنظيمات المجتمع المدني عند وضع البرامج التعليمية.
ـ المنطلقات الفكرية والايديولوجية المتبعة تتعارض مع منظومة حقوق الإنسان.
ـ رغم وفرة الكتب المدرسية بالدول العربية فإنها تشكو من هزالة في النصوص المعبرة عن مباديء حقوق الإنسان كماًوكيفاً.
أما على المستوى الدولي فقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في اجتماعها في دجنبر 1994 أن الفترة الممتدة بين يناير 1995 ودجنبر 2004 تعتبر عقدا للأمم المتحدة للتثقيف في مجال حقوق الإنسان وذلك نتيجة الاعتبارات التالية:
ـ تقييم المجهودات المبذولة في مجال التدريب والنشر والإعلام التي تستهدف نشر ثقافة عالمية لحقوق الإنسان، من أجل نقل المعرفة والمهارات وتشكيل الإتجاهات المتوجهة نحو الأهداف التالية:
أ ـ تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
ب ـ التنمية الكاملة لشخصية الإنسان والشعور بكرامته.
ج ـ النهوض بالتفاهم والتسامح والمساواة بين الجنسين.
د ـ النهوض بالصداقة بين جميع الأمم والشعوب الأصلية والمجموعات العرقية والقومية والإثنية والدينية واللغوية.
ه ـ تمكين جميع الأشخاص من المشاركة بصورة فعالة في مجتمع حر.
ز ـ العمل على تشجيع أنشطة الأمم المتحدة من أجل صون السلم.
وتستهدف عشرية الأمم المتحدة للتربية على حقوق الإنسان: عموم الجماهير ـ الجماعات الضعيفة: المرأة، الطفل، المعاقون، الأقليات ... ـ موظفو الدولة ـ المدارس والثانويات والجامعات ـ جميع مؤسسات الدولة العامة والخاصة.
** أهمية التربية في حماية حقوق الإنسان والديمقراطية
نظراً لأهمية التربية على حقوق الإنسان فإن نقل المعرفة في مجال حقوق الإنسان ونشرها في أوساط الجماهير تعد ذات أهمية قصوى، لذا فإن تعليم مبادئ وقيم حقوق الإنسان وتجسيده في الممارسة اليومية الأفراد والجماعات يتطلب استنفارا شاملا لجميع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، ولكونها عملية معقدة حيث تتداخل فيها عدة أطراف باختلاف مستوياتها ومواقعها ومصالحها فإنها تواجه عدة صعوبات:
أ ـ تسجيل الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها الدول.
ب ـ عوائق الثقافات السائدة في المجتمعات المختلفة ضمن ما يسمى بالخصوصيات المحلية.
ج ـ طبية الأنظمة السائدة خاصة في الدول غير الديمقراطية.
وإذا اعتبرنا أن التربية على حقوق الإنسان تتطلب المعرفة والبيداغوجية الخاصة بتعليم وتربية الإنسان على ثقافة حقوق الإنسان والتربية عليها، فإنها بالتالي تتطلب أرضية ملائمة لممارستها في ظل الإرادة الحقيقية لجميع الأطراف رغم وجود تناقضات متباينة بينها، مما يطرح من جديد العلاقة بين المدرسة والمحيط في الواجهة وإشكالية التفاعل الذي يجب أن يتم بينهما من أجل إنجاح أي مشروع للتربية على حقوق الإنسان.
وانطلاقاً من الكونية والشمولية باعتبارهما المبدأين الأساسين لمنظومة حقوق الإنسان فإن الضمانة الأساسية لحماية هذه الحقوق هي نشر ثقافتها في أوساط الجماهير والتربية عليها من أجل ممارستها، حتى تصبح بالفعل ممارسة يومية للأفراد والجماعات والشعوب على أوسع نطاق، من هنا يطرح دور المعرفة باعتبارها ذات أهمية في نشر ثقافة حقوق الإنسان من طرف كل الأطراف المعنية، ولآ يمكن أن يتحقق ذلك إلا بضبط المفاهيم الأساسية المكونة لمنظومة حقوق الإنسان من جهة، وضبط المعايير وآليات الحماية من جهة ثانية، وذلك من أجل تحقيق الحماية والنهوض.
إن أهمية معرفة المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية من طرف عموم الجماهير تكتسي أهمية قصوى على اعتبار أن كل من يعرف حقوقه بإمكانه الحرص على احترامها وحمايتها والدفاع عنها، كما أن جدلية العلاقة بين المدرسة والمحيط يحيلنا إلى العلاقة الجدلية بين نشر ثقافة حقوق الإنسان وإشاعة الديمقراطية في المجتمع ذلك لأن مستوى الممارسة الديمقراطية يعتبر معياراً أساسياً لمستوى التمتع بحقوق الإنسان، وكل ما تراجع مستوى الممارسة الديمقراطية كل ما تراجع مستوى التمتع بحقوق الإنسان، الشيء الذي يبرز جدلية العلاقة بين الممارسة الديمقراطية والتربية على حقوق الإنسان باعتبارهما أمرين ضروريين في الحماية والنهوض، لهذا فإن إشاعة حقوق الإنسان في أوساط المجتمعات البشرية مرهونة بالممارسة الديمقراطية.
** المعيقات الأساسية للممارسة الديمقراطية
إن الصفة التناحرية للعولمة الليبرالية المتوحشة في العصر الحديث خاصة في الدول التابعة التي تبلغ فيها التناقضات بين المجتمع المدني والدولة مداها، حيث إن الأنظمة السائدة في جل الدول التابعة بعيدة كل البعد عن الممارسة الديمقراطية لكونها لم تنبثق عن الصراع السياسي الديمقراطي في مجتمعات هذه الدول، بالإضافة إلى إرث الماضي المليء بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من طرف الأنظمة السائدة الذي يشكل العائق الأساسي للإنتقال الديمقراطي، حيث لم تستطع هذه الأنظمة التخلص من هذا الإرث الأسود.
** هكذا تواجه الممارسة الديمقراطية بهذه الدول عدة معيقات:
أ ـ عدم المصادقة من طرف الدول على العهود والاتفاقيات الدولية.
ب ـ التحفظات على بعض مواد الاتفاقيات والعهود الدولية.
ج ـ تأثير الخصوصيات الثقافية والتقاليد والعادات المحلية.
د ـ تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعوب.
ه ـ نخبوية المعرفة في مجال حقوق الإنسان.
ز ـ محدودية تأثير المجتمع المدني خاصة بالدول غير الديمقراطية.
س ـ عدم ملاءمة القوانين المحلية للوانين الدولية.
ش ـ السياسة التعليمية المبنية على ضبط المجتمع.
ص ـ الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من طرف الأنظمة السائدة.
ط ـ عولمة الانتهاكات من طرف العولمة الليبرالية المتوحشة.
إن المادة الأولى سواء في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أو في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تنص على تقرير مصير الشعوب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، على اعتبار أن الديمقراطية هي حكم الشعب من الشعب وإلى الشعب الشيء الذي يبرز دمر الممارسة الديمقراطية في إشاعة حقوق الإنسان، لذا يأتي دور نشر ثقافة حقوق الإنسان والتربية عليها في المقام الأول لبلورة مفهوم الممارسة الديمقراطية في الواقع ولن يتأتى ذلك إلا في إدماج منظومة حقوق الإنسان بالمدارس والثانويات و الجامعات من جهة، وتفعيل مبدأ جماهيرية حقوق الإنسان لإشراك الطبقات الشعبية في بلورة القرار السياسي وتقرير مصير الشعوب من جهة ثانية.
- لتتمكن من ترك تعليقات قم بتسجيل الدخول أو بإنشاء حساب عضوية
- Calendar
